ابن بسام

98

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

يومئذ لم يزل نافر النفس ، منقبض الأنس ، فلما استشعر الحذر ، وأحسّ بالتغيّر ، ألقى عصا التسيار ، وأخذ في اقتناء [ 33 أ ] الضياع والديار ، حتى ظنّ عباد أنه قد رضي جواره ، واستوطن داره ، فاستنام إليه برسالة [ 1 ] إلى بعض خلفائه [ 2 ] من رؤساء الجزيرة وقته ، فجعل أبو محمد يتفادى منها ، ويتثاقل عنها وهو يقول : لا أبا لك ، تمنّعي أشهى لك . ولما انسلّ من يد عباد انسلال الطيف ، ونجا واسأله [ 3 ] كيف [ 4 ] ، رجع إلى مستقرّه من الشرق ؛ وأدار الحيلة على أبي عمر ابن الحذّاء الحائن [ 5 ] ، فعوّضه بضياعه وعقاره ، وزيّن له اللحاق بدار بواره ، وسوء قراره . وقد كان عباد قبل ذلك يعده ويمنّيه ، ويستدرجه ويدلّيه ، فلما طلع عليه لم يزد على أن أسره وقصره ، وأظهر من الزهد فيه ، أضعاف ما كان يعده ويمنّيه ، وجعل أبو محمد ابن عبد البرّ بعد ذلك ينتقل من الدول ، كالبدر يترك منزلا عن منزل ، وقد جمع التالد إلى الطارف [ 6 ] ، وكتب عندنا عن أكثر ملوك الطوائف ، وقد أخرجت من شواهده على الإحسان ، ما يليق [ 7 ] بغرض هذا الديوان . وكانت وفاة أبي محمد سنة أربع وسبعين وأربعمائة . جملة ما أخرجته من رسائله السلطانيات فصل له من رقعة عن ابن مجاهد وقد زفّ ابنته إلى ابن صمادح [ 8 ] : قد انتظمنا [ أيّدك اللّه ] انتظام السّلك ، وضرحنا عن مشارب الحال الجامعة لنا قذاة كلّ شك

--> المقال : 362 ، والميداني 2 : 221 ) . [ 1 ] المسالك : برسائل . [ 2 ] المسالك : حلفائه . [ 3 ] د ط س وأعتاب الكتاب : وسله . [ 4 ] ذكر ابن الأبار أن والده الفقيه أبا عمر ابن عبد البر سافر من شرق الأندلس إلى إشبيلية لتخليص ابنه من يدي عباد ، فأطلقه له ، وانصرفا عنه محفوفين بالإكرام . [ 5 ] ب م : أبي عمرو بن الجد ؛ ولفظة « الحائن » لم ترد في ط د س ؛ وأبو عمر ابن الحذاء هو أحمد بن محمد بن يحيى التميمي ، جلا عن قرطبة في الفتنة ثم عاد إليها فكان متصرفا بينها وبين إشبيلية إلى أن توفي سنة 477 ( الصلة : 65 ) . [ 6 ] ط س د : والطارف . [ 7 ] ط د س : يفي . [ 8 ] انظر : المغرب 2 : 402 - 403 ، وأحكام صنعة الكلام : 101 - 102 ، والمسالك 13 : 22 .